أزمة اليمن بين فكرة التوريث وثورة فبراير

رحم الله فيلسوف اليمن واديبها الكبير عبد الله البردوني ذو البصيرة النافذة والعقلية الراجحة الناقدة المتنبئة ،قال في مؤلفه” قضايا يمنية ص79 “: ( كل الأحداث التي تنجم ٠٠وكل آثارها التي تسفر عن وجهها تأتي قبل حدوثها امكاناً ٠٠وتسفر قبل سفرها الفعلي ، الا ان الرؤية قصيرة عن تجليها٠٠أو ذاهلة عنها بغيرها ،٠٠)!!

ودلل على صحة مقولته هذه بعدد من الأمثلة التي شهدها الواقع اليمني خاصة والواقع العربي عامة!!

فذكر ان ثورة 26سبتمبر 1962تبرعمت للسفور قبل حدوثها بسبع سنوات، بمعنى انها بدأت امكاناً من عام 1955م. ثم جاء عام 1962م ليلقي عنها الستار ويعلن عنها كحدث حدث فعلاً كثورة !!

وذكر ايضاً ان هزيمة 1967م تبرعمت مع فشل وحدة مع سوريا عام 1962م، واعتبر الهزيمة وليداً شرعياً لخلل اصاب التركيب الاجتماعي والذي كانت الهزيمة ذروته العالية، وعلى ذات السياق فانتصار 1973م استمد امكانية تحققه من مرارة هزيمة1967م التي خلقت بدورها الإرادة القتالية في 1973م !!

وهكذا (بحسب البردوني ) كل الاحداث الكبار الفاجعة منها والسارة انما هي نتائج لعوامل سابقة او ردود افعال لأحداث واقعة!

على هدي هذا الكلام وحيث يحمل البعض ثورة فبراير الشبابية السلمية السبب في وصول البلاد الى ماهي عليه اليوم!

كان من اللزوم وعلى عجالة تبيين الحقيقة في هذا الأمر الخطير فالصحيح أن ثورة 11فبراير عام 2011م، وما تلاها من احداث كانت قد تبرعمت للسفور قبل تحقق اندلاع الثورة بخمس سنوات اي عام 2006م، ذلك العام الذي عشعشت فيه فكرة ملعونة في ذهنية وعقلية الرئيس السابق وهي فكرة توريث كرسي الحكم لنجله احمد من بعده ولعل مسار عدد من رؤساء البلاد العربية ذات النظام الجمهوري في السعي نحو الترتيب لتوريث اولادهم كراسي الحكم من بعدهم، احد اهم المغريات التي دفعت بالرئيس السابق السير على ذات الخطى!!

ذلك ان التأمل المنصف والمحايد لمسار الأحداث من عام 2006م حتى اليوم يؤدي الى القول بإطمئنان ان ثورة فبراير خرجت من رحم فكرة التوريث،!!

فكرة التوريث هذه الملعونة أرهقت اليمن ايما إرهاق والإصرار عليها هو الذي أوصل اليمن الى ماهي عليه اليوم ذلك انها(فكرة التوريث) احدثت شرخاً في نسيج مكون مجلس الحكم السنحاني وان كان شخوص المجلس قد حرصوا في البداية على كتمانه عن الرأي العام، غير ان التمادي من جانب الرئيس السابق على المضي قدماً لإخراج الفكرة وتطويرها الى مشروع، كان قد تطلب الى خطوات اجرائية تنفيذية تمهيدية قام بها الرئيس السابق ومن في فلكه لمسها وشعر بها الكثير والكثير جداً ليس في نطاق المجتمع اليمني فحسب، بل وتداولت إعلامها على مستوى ارض الله كلها !!

تلك الخطوات والإجراءات التنفيذية لإعلان المشروع مثلت فعل للرئيس السابق وافقه عليه وشارك في تنفيذه بعض الأطراف الأسرية الرئيسية في مقدمتهم ابناء شقيقة محمد عبد الله صالح الأخ الشقيق للرئيس السابق (عمار ،طارق ،يحي) وحظي بتأييد من اخويه غير الشقيقين (اللواء علي صالح الاحمر واللواء محمد صالح الأحمر ) !!

قابل ذلك الفعل الصادر من الرئيس السابق قبل رد الفعل من الجانب المناهض لفكرة التوريث في داخل مجلس الحكم السنحاني، رفضاً قوياً من جانب العديد من رجال اليمن وقاداته ومفكريه وقواه الوطنية وبالأخص ممن لازال على قيد الحياه من ثوار 26 سبتمبر من ضباط ومشايخ واعلام ومفكرين وسياسيين ومنهم من حاول نصيحة الرئيس السابق بالكف عن هذه الفكره باعتبارها تمثل ارتداداً عن النظام الجمهوري الذي دفع اليمنيين ثمنه قوافل من الشهداء واروت من اجله دماء اليمنيين جبال وسهول وتباب اليمن، غير انه وفي ظل عدم استماعه لنصائحهم ورفضه التعاطي الإيجابي معها، فما كان من اولئك الثوار الا الوقوف لتأييد موقف المناهضين للفكرة من مكون مجلس الحكم السنحاني على رأسهم الفريق علي محسن صالح ومعه عدد من كبار القادة العسكريين المنتميين الى سنحان قبيلة الرئيس السابق !!

كبار المناهضين لفكرة التوريث من رجال سنحان هم شركاء الرئيس السابق في تسيير دفة الحكم في البلاد منذ اللحظات الاولى لاعتلائه كرسي الحكم يوم 17 يوليو 1978م بعد تنازل القاضي عبد الكريم العرشي عن الرئاسة التي آلت اليه بحكم الدستور بصفته رئيساً لمجلس الشعب النأسيسي على اثر واقعة مقتل الرئيس احمد الغشمي في مكتبه بالقيادة العامة نتيجة إنفجار شمطة كان قد جملها اليه شخص قيل انه قدم من عدن مرسل من رئيس الشطر الجنوبي حينذاك (سالم ربيع علي) وكما هو معروف فالرئيس الغشمي تقلد المنصب خلفا للرئيس الشهيد ابراهيم محمد الحمدي !!

عودة الى الفعل ورد الفعل بشأن فكرة التوريث، اقول بان مظاهر وعلامات الاختلاف بين الرئيس السابق ومن معه في السير بفكرة التوريث قدماً، وبين علي محسن ومن معه في مناهضة ذات الفكرة بدأيتسع نطاقها من يوم الى اخر بل وعكست بظلالها سلباً على سير العمل الحكومي في مختلف الوزارات والمصالح وعلى مسار حروب صعدة وعلى النهج الساسي الداخلي، خاصة وكما هو معروف فإن لكل من الرئيس السابق وعلي محسن انصار وتابعين في كل مرفق من مرافق الدولة المركزية، والمحلية، العسكرية، والامنية، والمدنية على مستوى الجمهورية اليمنية عامةً، ولكل منهما ايضاً انصار وتابعين من مشايخ و قبايل في كافة قبل اليمن وحتى على مستوى الاحزاب والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني فلكل منهما فيها نصيب من المواليين له!!

انصرفا الطرفان ومن معهما في مختلف المؤسسات الحكومية والمجتمعية والسياسية عن العمل الحكومي وتفرغا للماحكات السياسة وسعى كل منهما للعبث بالمال العام وبالوظيفة العامة من اجل إستمالة اكبر عدد من الانصار الى صفه ،وزاد الرئيس السابق في مواصلة المضي قدماً إعلامياً وسياسياً وادارياً ودبلوماسياً وعسكرياً وامنياً نحو تحقيق فكرة التوريث الحكم لنجله احمد من بعده!!

تلك الظروف زادت من سعة نطاق الفساد المالي والإداري افقياً وعمودياً، والأخطر ان كلا هما لعبا بالورقة الأمنية، وبالعبث بمحطات وخطوط الكهرباء، وبالمنشئات الإقتصادية والنفطية منها بوجه خاص !!

فكرة التوريث احتلت عقلية الرئيس السابق وهيمنة على ذهنيته هيمنة قوية جداً، وجعلها الهم الوحيد الذي يتعين عليه إنجازه مهما كان الثمن!!

فكرة التوريث غيبت عنه الإستماع الى اي صوت بشأن اي مشروع لا يخدم فكرة التوريث او يَصْب في مسارها اياً كانت درجة أهمية منافعها للبلاد، فنتج عن ذلك بالإضافة الى الإختلالات الأمنية و زيادة استشراء الفساد فقد تداعت الاحداث، اشتداد حروب صعدة في الشمال وظهور الحراك في الجنوب ومماحكات مع المعارضة،كل ذلك شكل بالنسبة للغالب الاعم من المواطنين ارضية خصبة ومناخ ملائم للتجاوب والتفاعل من جانبهم سيما الشباب الذي جعل منه ذلك الوضع شباب محبط مأزوم تفترسه البطالة والفقر بتبعاتهما المخيفة والمهددة لأمن المجتمع واستقراره، فما ان طلت نسائم الربيع العربي الا وكان اليمنيين من أوائل المتفاعلين مع مساره السلمي وكانت ثورة الشباب السلمية يوم 11فبراير 2011 م !!

بفعل الثورة المضادة وسعيها لإفشال ثورة الشباب السلمية وتشويه صورتها بدءً من الجهود الدؤبة لإفشال حكومة الوفاق وتشويه صورتها عملياً وإعلامياً وواقعياً وسياسياً و تتالت الأحداث المحكومة بالأحقاد والثأرات بين طرفي معادلة التوريث ورفضه وحتى تحقق الثورة المضادة في اكمل صورتها بانقلاب 21 سبتمبر 2014م, وهاهو، يعزز كل طرف أنصاره من العلماء والقادة العسكريين والأمنيين ولمشائخ القبليين والأحزاب والجماعات والإعلام والفضائيات والدفع الإقليمي والدولي حتى أوصلوا البلاد الى ماهي عليه اليوم ولازال العبث بالبلاد وبمقدراتها وأمنها قائماً ترافقه ضربات الطيران الأعمى للشقيقة اللدود وحلفائها.

“ولله وحده الامر من قبل ومن بعد”

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.